محمد بن علي الشوكاني

5616

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

ذلك من فعل الأعاجم ، فليس أحد الحديثين بالتقييد أولى من الآخر ، فالحق منع القيام بمجرد التعظيم مطلقا ( 1 ) . وقد شدت هذه الشواهد من عضد حديث أبي أمامة ، فصلح للاحتجاج على تحريم ذلك القيام المقيد بالتعظيم ، ونحن نقول بموجب ما احتج به شيخنا على الجواز من تقرير النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - لفعل طلحة ، وأمر قوم سعد بالقيام إليه ، وقيامه إلى فاطمة ، وقيامها إليه ؛ لأن هذه الأدلة خالية عن ذلك القيد الذي جعلناه مناط النهي ، وهي أدلتنا على جواز القيام الخالي عن التعظيم ، سواء كان الباعث عليه المحبة أو الإكرام ، أو الوفاء بحق القاصد كالقيام للمصافحة أو غير ذلك ، على أنه قد قيل في حديث سعد أن أمر أصحابه بالقيام إليه لإعانته على النزول عن ظهر مركوبه ؛ لضعفه عن النزول بسبب الجراحة التي أصابته ( 2 ) ، وهذا وإن كان خلاف الظاهر ، إلا أنه يعين على قبوله

--> ( 1 ) انظر التعليقة السابقة . ( 2 ) قال الحافظ في " الفتح " ( 11 / 51 ) : ثم نقل المنذري عن بعض من منع ذلك مطلقا أنه رد الحجة بقصة سعد بأنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنما أمرهم بالقيام لسعد لينزلوه عن الحمار ؛ لكونه كان مريضا . قال : وفي ذلك نظر . قلت : كأنه لم يقف على مستند هذا القائل ، وقد وقع في مسند عائشة عن أحمد في " المسند " ( 6 / 143 ) من طريق علقمة بن وقاص عنها في قصة غزوة بني قريظة وقصة سعد بن معاذ ومجيئة مطولا ، وفيه : " قال أبو سعيد : فلما طلع قال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قوموا إلى سيدكم فأنزلوه " . وسنده حسن ، وهذه الزيادة تخدش في الاستدلال بقصة سعد في مشروعية القيام المتنازع فيه ، وقد احتج به النووي في كتاب " القيام " ( ص 33 - 36 ) ونقل عن البخاري ومسلم وأبي داود أنهم احتجوا به ، ولفظ مسلم : لا أعلم في قيام الرجل للرجل حديثا أصح من هذا . وقد اعترض عليه الشيخ أبو عبد الله الحاج " في كتاب المدخل " فقال ما ملخصه : لو كان القيام المأمور به لسعد هو المتنازع فيه لما خص به الأنصار ، فإن الأصل في أفعال العرب التعميم ، ولو كان القيام لسعد على سبيل البر والإكرام لكان هو - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أول من فعله وأمر به من حضر من أكابر الصحابة ، فلما لم يأمر به ولا فعله ولا فعلوه دل ذلك على أن الأمر بالقيام لغير ما وقع فيه النزاع ، وإنما هو لينزلوه عن دابته لما كان فيه من المرض كما جاء في بعض الروايات ؛ ولأن عادة العرب أن القبيلة تخدم كبيرها ؛ لذلك خص الأنصار بذلك دون المهاجرين ، مع أن المراد بعض الأنصار لا كلهم وهم الأوس منهم ؛ لأن سعد بن معاذ كان سيدهم دون الخزرج ، وعلى تقدير تسليم أن القيام المأمور به حينئذ لم يكن للإعانة ، فليس هو المتنازع فيه ، بل لأنه غائب قدم والقيام للغائب إذا قدم مشروع ، قال : ويحتمل أن يكون القيام المذكور إنما هو لتهنئته بما حصل له من تلك المنزلة الرفيعة من تحكيمه والرضا بما يحكم به ، والقيام لأجل التهنئة مشروع أيضا ، ثم نقل عن أبي الوليد بن رشد أن القيام يقع على أربعة أوجه : 1 - محظور : وهو أن يقع لمن يريد أن يقام إليه تكبرا وتعاظما على القائمين إليه . 2 - مكروه : وهو أن يقع لمن لا يتكبر ولا يتعاظم على القائمين ، ولكن يخشى أن يدخل نفسه بسبب ذلك ما يحذر ، ولما فيه من التشبه بالجبابرة . 3 - جائز : وهو أن يقع على سبيل البر والإكرام لمن لا يريد ذلك ويؤمن معه التشبه بالجبابرة . 4 - مندوب : وهو أن يقوم لمن قدم من سفر فرحا بقدومه ليسلم عليه ، أو إلى من تجددت له نعمة فيهنئه بحصولها ، أو مصيبة فيعزيه بسببها . وقال التوربشتي في " شرح المصابيح " : معنى قوله : " قوموا إلى سيدكم " أي : إلى إعانته وإنزاله من دابته ، ولو كان المراد التعظيم لقال : قوموا لسيدكم . وتعقبه الطيبي بأنه لا يلزم من كونه ليس للتعظيم أن لا يكون للإكرام ، وما اعتل به من الفرق بين إلى واللام ضعيف ؛ لأن ( إلى ) في هذا المقام أفخم من اللام ، كأنه قيل : قوموا وامشوا إليه تلقيا وإكراما . وهذا مأخوذ من ترتب الحكم على الوصف المناسب المشعر بالعلية ، فإن قوله : " سيدكم " علة للقيام له ، وذلك لكونه شريف القدر .